أحمد بن محمد القسطلاني
141
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
قائله محظورًا لأنه يشعر بالشك فيه ، ( و ) من أشراط الساعة : ( إذا تطاول رعاة الإبل ) بضم الراء ( البهم في البنيان ) أي وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان وتكاثرهم باستلائهم على الأمر ، وتملكهم البلاد بالقهر المقتضي لتبسطهم في الدنيا ، فهو عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد والسفلة من الجمالين وغيرهم وما أحسن قول القائل : إذا التحق الأسافل بالأعالي . . . فقد طابت منادمة المنايا وفيه إشارة إلى اتساع دين الإسلام ، كما أن الأوّل فيه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر وسبي ذراريهم . قال البيضاوي : لأن بلوغ الأمر الغاية منذر بالتراجع المؤذن بأن القيامة ستقوم كما قيل : وعند التناهي يقصر المتطاول والبُهم بضم الموحدة جمع الأبهم ، وهو الذي لاشية له أو جمع بهيم وهي رواية أبي ذر وغيره ، وروي عن الأصيلي الضم والفتح ، وكذا ضبطه القابسي بالفتح أيضًا ولا وجه له لأنها صغار الضأن والمعز ، وفي الميم الرفع نعتًا للرعاة أي السود أو المجهولون الدين لا يعرفون والجر صفة للإبل أي رعاة الإبل البهم السود ، وقد عد في الحديث من الأشراط علامتين والجمع يقتضي ثلاثة ، فإما أن يكون على أقل الجمع اثنان ، أو أنه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط الساعة . وعلم وقتها داخل ( في ) جملة ( خمس ) من الغيب ( لا يعلمهن إلاّ الله . ثم تلا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [ لقمان : 34 ] أي علم وقتها ، وللأصيلي وينزل ( الأية ) بالنصب بتقدير اقرأ وبالرفع مبتدأ خبره محذوف أي الآية مقروءة إلى آخر السورة ، ولمسلم إلى قوله خبير ، وكذا في رواية أبي فروة والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها ، وسقط في رواية قوله الآية والجار متعلق بمحذوف كما قدّرته فهو على حد قوله تعالى : { فِي تِسْعِ آيَات } [ النمل : 12 ] أي اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات ، وتمام الآية السابقة : وينزل الغيث أي في إبانه المقدّر له والمحل المعين له ، ويعلم ما في الأرحام أذكرًا أم أُنثى تامًّا أم ناقصًا ، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا من خير أو شر ، وربما يعزم على شيء ويفعل خلافه ، وما تدري نفس بأي أرض تموت أي كما لا تدري في أي وقت تموت . قال القرطبي : لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث ، فمن ادعى علم شيء منها غير مستند إلى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان كاذبًا في دعواه . ( ثم أدبر ) الرجل السائل ( فقال ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ردّوه ) فأخذوا ليردوه ( فلم يروا شيئًا ) لا عينه ولا أثره . قال ابن بزيزة : ولعل قوله ردّوه عليّ إيقاظ للصحابة ليتفطنوا إلى أنه ملك لا بشر . ( فقال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هذا ) ولكريمة إذ هذا ( جبريل ) عليه السلام ( جاء بعلم الناس دينهم ) أي قواعد دينهم وهي جملة وقعت حالاً مقدرة لأنه لم يكن معلمًا وقت المجيء ، وأسند التعليم إليه وإن كان سائلاً لأنه لما كان السبب فيه أسنده إليه أو أنه كان من غرضه ، وللإسماعيلي أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا . وفي حديث أبي عامر : والذي نفس محمد بيده ما جاءني قطّ إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة ، وفي رواية سليمان التيمي ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولّى . ( قال أبو عبد الله ) البخاري رحمه الله تعالى : ( جعل ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ذلك ) المذكور في هذا الحديث ( كله من الإيمان ) أي الكامل المشتمل على هذه الأمور كلها . وفي هذا الحديث بيان عظم الإخلاص والمراقبة ، وفيه أن العالم إذا سئل عمّا لا يعلمه يقول لا أدري ولا ينقص ذلك من جلالته ، بل يدل على ورعه وتقواه ووفور علمه . وأنه يسأل العالم ليعلم السامعون ، ويحتمل أن في سؤال جبريل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حضور الصحابة أنه يريد أن يريهم أنه عليه الصلاة والسلام مليء من العلوم وأن علمه مأخوذ من الوحي فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه وهو المعنى بقوله : جاء يعلم الناس دينهم ، وأن الملائكة تمثل بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم . وأخرجه المؤلف في التفسير وفي الزكاة مختصرًا ، ومسلم في الإيمان ، وابن ماجة في السُّنَّة بتمامه وفي الفتن ببعضه ، وأبو داود في السُّنَّة ، والنسائي في الإيمان ، وكذا الترمذي وأحمد في مسنده ،